علي محمد علي دخيل

98

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أي ليس كذلك كما يظنون ، بل ذلك البخل شر لهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ معناه : يجعل ما بخل به من المال طوقا في عنقه ، والآية نزلت في مانعي الزكاة وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه : يموت من في السماوات والأرض ويبقى تعالى هو جلّ جلاله لم يزل ولا يزال ، فيبطل ملك كل مالك إلا ملكه ، وقد تضمنت الآية الحثّ على الإنفاق ، والمنع عن الإمساك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ هذا تأكيد للوعد والوعيد في إنفاق المال لإحراز الثواب ، والأجر والسلامة من الإثم والوزر . 181 - 182 - ثم ذكر سبحانه خصلة أخرى من خصالهم الذميمة فقال سبحانه : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا معناه : علم ذلك إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ أي ذو حاجة لأنه يستقرض منا وَنَحْنُ أَغْنِياءُ عن الحاجة وقد علموا أن اللّه لا يطلب القرض وإنما ذلك تلطيف في الاستدعاء إلى الإنفاق ، وإنما قالوه تلبيسا على عوامهم سَنَكْتُبُ ما قالُوا معناه : سنحفظ ما قالوا ، وكنّى بالكتابة عن الحفظ لأنه طريق إلى الحفظ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي وسنكتب قتل أسلافهم الأنبياء ، ورضى هؤلاء به ، فنجازي كلا بفعله ، وفيه دلالة على أن الرضا بفعل القبيح يجري مجراه في عظم الجرم وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ والفائدة فيه أن يعلم أن العذاب بالنار التي تحرق ، وهي الملتهبة لأن ما لم تلتهب لا يسمى حريقا ذلِكَ إشارة إلى ما سبق ، أي ذلك العقاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ معناه : بما كنتم عملتموه وجنيتموه على أنفسكم وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي بأن اللّه لا يظلم أحدا من عباده . 183 - 184 - ثم ذكر قولهم الآخر فقال : الَّذِينَ قالُوا لنبيّهم إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا على السن رسله أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق رسولا فيما يقول : من أنه جاء به من عند اللّه تعالى حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ أي حتى يجيئنا بما يتقرب به إلى اللّه من صدقة أو بر تتقبل منه ، وقوله : تَأْكُلُهُ النَّارُ بيان لعلامة التقبّل ، فإنه كان علامة قبول قربانهم أن تنزل النار من السماء فتأكله ، يكون ذلك دلالة على صدق المقرّب قُلْ يا محمد لهؤلاء اليهود قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي يعني جاء أسلافكم بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الدالة على صدقهم ، وصحة رسالتهم ، وحقيقة قولهم ، كما كنتم تقترحون وتطلبون منهم وَبِالَّذِي قُلْتُمْ معناه : وبالقربان الذي قلتم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ أراد بذلك زكريا ويحيى وجميع من قتلهم اليهود من الأنبياء ، يعني لم قتلتموهم وأنتم مقرّون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم ؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما عهد إليكم مما ادعيتموه . وهذا تكذيب لهم في قولهم . ودلالة على عنادهم ، وعلى أن النبي ( ص ) لو أتاهم بالقربان المتقبل كما أرادوه لم يؤمنوا به كما لم يؤمن آباؤهم بالأنبياء الذين أتوا به وبغيره من المعجزات فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ هذا تسلية للنبي ( ص ) في تكذيب الكفار إياه ، وذلك بأنه تعالى أخبر بأنه ليس بأول مكذب من الرسل بل كذب قبله رسل جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الباهرات وَالزُّبُرِ أي الكتب التي فيها الحكم والزواجر وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ قيل : المراد به التوراة والإنجيل ، لأن اليهود كذبت عيسى وما جاء به من الإنجيل ، وحرّفت ما جاء به موسى من صفة النبي ( ص ) ، وبدّلت عهده إليهم فيه ، والنصارى أيضا جحدت ما في الإنجيل من نعته ، وغيّرت ما أمرهم به فيه ، والمنير : الهادي إلى الحق . 185 - ثم بيّن سبحانه أن مرجع الخلق إليه فيجازي المكذبين رسله على أعمالهم من حيث حتم الموت على